وضعية الجسم والمزاج، كيف تؤثر وضعية الجسد على الحالة النفسية؟
لطالما ارتبطت طريقة الوقوف أو الجلوس بالصورة التي يعطيها الإنسان عن نفسه، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن تأثير الجسد قد يتجاوز المظهر الخارجي ليصل إلى الحالة النفسية والمزاجية، فالعلاقة بين وضعية الجسم والمزاج أصبحت محورًا لعدد من الدراسات التي حاولت فهم كيف يمكن لطريقة تحريك الجسد أو إبقائه في وضعية معينة أن تؤثر على التفكير والمشاعر وحتى مستوى التوتر، ومع ازدياد ساعات الجلوس أمام الشاشات والانحناء المتكرر خلال العمل أو الدراسة، أصبحت وضعيات الجسد الخاطئة أكثر انتشارًا، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة تأثيرها على الصحة النفسية والجسدية معًا.
كيف تعكس وضعية الجسد الحالة النفسية؟
غالبًا ما ترتبط الوضعية المنحنية بمشاعر الحزن أو الإرهاق أو فقدان الحماس، بينما ترتبط الوضعية المستقيمة بالثقة والانتباه والقدرة على التفاعل، وتشير بعض الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب قد يظهَر لديهم نمط حركي مختلف، مثل بطء المشي، وانحناء الكتفين، وخفض الرأس، وتقليل حركة الذراعين أثناء السير.
في المقابل، تساعد الوضعية المستقيمة على إبقاء الرأس والكتفين بمحاذاة طبيعية، ما يمنح الجسد مظهرًا أكثر انفتاحًا واستقرارًا، وقد وجَدت أبحاث أن هذه الوضعية ترتبط بمشاعر أقوى من الثقة والطاقة الإيجابية مقارنة بالجلوس أو الوقوف بطريقة منكمشة.
وضعية الجسم والمزاج في الدراسات النفسية
أظهَرت تجارب أُجريت على مشاركين طُلب منهم الجلوس بوضعيات مختلفة أن الأشخاص الذين حافظوا على وضعية مستقيمة شعروا بحيوية وثقة أكبر، في حين عبّر المشاركون الذين جلسوا بوضعية منحنية عن شعور بالخمول والخوف والسلبية.
كما لاحظ الباحثون أن أصحاب الوضعية المنحنية استخدَموا كلمات ذات طابع سلبي أكثر عند الحديث عن تجاربهم، إضافة إلى تركيز أكبر على الذات، أما الأشخاص الذين جلسوا باستقامة فكانت طريقة تعبيرهم أكثر توازنًا وإيجابية، وتوصلت دراسات أخرى إلى نتائج مشابهة لدى أشخاص يعانون من أعراض اكتئاب خفيفة إلى متوسطة، وكذلك لدى مشاركين كانوا يمشون أثناء التجارب، ما يشير إلى أن تأثير وضعية الجسد لا يقتصر على الجلوس فقط، بل يشمل الحركة اليومية أيضاً.
لماذا تؤثر وضعية الجسد على المشاعر؟
يرتبط تأثير الجسد على الحالة النفسية بما يُعرف بمفهوم الإدراك المتجسّد، وهو مفهوم يَفترض أن الجسد والعقل يعملان بشكل مترابط، بحيث يمكن للتغيرات الجسدية أن تؤثر على التفكير والعاطفة في الوقت نفسه، فعندما يكون الجسد في وضعية منغلقة أو منحنية، قد تتأثر طريقة التنفس ويزداد التوتر العضلي، وهو ما يرسل إشارات مرتبطة بالضغط النفسي إلى الدماغ، أما الوضعية المستقيمة فتساعد على تحسين التنفس وتخفيف الإجهاد الجسدي، ما قد ينعكس على الشعور بالهدوء والتركيز.
أشارت بعض الدراسات أيضًا إلى أن الوضعية قد تؤثر على سرعة المعالجة الذهنية والأداء المعرفي، رغم أن الآلية الدقيقة لهذا التأثير لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
التأثير الجسدي للوضعيات الخاطئة
لا يقتصر تأثير الوضعية السيئة على المزاج فقط، بل يمتد إلى الصحة الجسدية أيضاً، فالانحناء المستمر للأمام، خاصة أثناء استخدام الهواتف أو الحواسيب، يزيد الضغط على الرقبة والكتفين، وقد يؤدي إلى مشكلات متعددة مثل:
- آلام الرقبة والظهر
- الصداع المتكرر
- التوتر العضلي
- ضعف التنفس
- انخفاض الطاقة والإرهاق
- تشوش التركيز
كما أن الجلوس المنحني ربما يقلل من قدرة الرئتين على التمدد الكامل، ما يؤثر على تدفق الأكسجين ويزيد الشعور بالتعب الذهني والجسدي.
اقرأ أيضًا...
هل يمكن لتحسين الوضعية أن يدعم الصحة النفسية؟
تشير الأبحاث إلى أن تحسين الوضعية قد يساعد في دعم المزاج وتقليل بعض مظاهر التوتر والإرهاق النفسي، لكنه لا يُعتبر علاجًا مستقلًا للاكتئاب أو القلق، بل يُنظر إليه كعامل مساعد يمكن أن يعمل إلى جانب العلاج النفسي أو الأدوية أو أساليب الدعم الأخرى، وقد ترتبط الوضعية المستقيمة بزيادة الإحساس بالثقة والقدرة على التعامل مع الضغوط، إضافة إلى تحسين الانتباه والطاقة بشكل عام، كما أن تقليل الانحناء أثناء الجلوس أو المشي قد يخفف من الحلقة المتكررة التي تربط بين المزاج السلبي والوضعيات الجسدية المنغلقة.
عادات يومية قد تساعد على تحسين الوضعية
يمكن لبعض التعديلات البسيطة في الحياة اليومية أن تساعد على تحسين وضعية الجسم والمزاج تدريجيًا، مثل:
- رفع شاشة الحاسوب إلى مستوى النظر
- إبقاء الكتفين للخلف أثناء الجلوس
- تجنب الانحناء الطويل على الهاتف
- تغيير وضعية الجلوس بشكل منتظم
- الانتباه إلى التنفس ووضعية الصدر
- المشي باستقامة وإرخاء الرقبة والكتفين
كما أن تقوية العضلات الداعمة للعمود الفقري قد تساهم في الحفاظ على وضعية أكثر توازنًا مع الوقت.
الأسئلة الشائعة
هل تؤثر وضعية الجسم فعلًا على الحالة النفسية؟
تشير الدراسات إلى وجود ارتباط واضح بين وضعية الجسم والمزاج إذ يمكن للوضعية المستقيمة أن ترتبط بمشاعر أفضل من الثقة والطاقة، بينما قد ترتبط الوضعيات المنحنية بمشاعر التوتر أو الحزن.
هل يكفي تحسين وضعية الجسد لعلاج الاكتئاب أو القلق؟
لا تُعد تحسينات الوضعية علاجًا مباشرًا للاضطرابات النفسية، لكنها قد تكون وسيلة داعمة تساعد على تخفيف بعض الأعراض وتحسين الشعور العام عند دمجها مع وسائل علاجية أخرى.
نصيحة من موقع صحتك Sehatok
قد تبدو وضعية الجسد تفصيلًا بسيطًا في الحياة اليومية، إلا أن الدراسات تشير إلى أن تأثيرها قد يمتد إلى المزاج والطاقة وطريقة التعامل مع الضغوط، والانتباه إلى طريقة الجلوس أو الوقوف لا يعني السعي إلى المثالية، بل محاولة تقليل التوتر الجسدي وتحسين التوازن العام بين الجسد والحالة النفسية.
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية