يقول الباحثون إنهم وجدوا أدلة واضحة على أن المخ يستطيع تجديد خلاياه وإنتاج خلايا عصبية جديدة حتى مرحلة البلوغ، ويحدث هذا النمو العصبي الجديد “أو تكوين الخلايا العصبية” في الحُصين، وهو جزء أساسي من الدماغ مسؤول عن التعلم والذاكرة والعواطف. ويتفق الخبراء على أن هذه الدراسة تقدم حجة قوية لصنع خلايا عصبية جديدة لدى البالغين. وفي حين أن دراسة واحدة لا تشكل دليلاً قاطعاً؛ فإنها دليل قوي يدعم فكرة وجود الخلايا الجذعية وسلائف الخلايا العصبية الجديدة وتكاثرها في دماغ الإنسان البالغ، وهذه الدراسة مثال للعلم الذي يضع جهده في خدمة مجتمع علم الأعصاب السريري.
المخ يستطيع تجديد خلاياه.. فكيف جَرت الدراسة؟
أجرى الباحثون الدراسة باستخدام تقنيات متقدمة، بما في ذلك تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي النواة، والتعلم الآلي لفرز وفحص عينات أنسجة الدماغ من البنوك الحيوية الدولية. يعكس وجود ونشاط الحمض النووي الريبوزي القريب من الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين (DNA) وجود جينات نشطة داخل الخلايا، بينما يعد التعلم الآلي نوعاً من الذكاء الاصطناعي الذي يُستخدم غالباً لمعالجة مجموعات البيانات الضخمة.
منذ ستينيات القرن الماضي عرف الباحثون أن الفئران والجرذان وبعض النماذج غير البشرية تُنتج خلايا دماغية جديدة في التلفيف المسنَّن، وهو جزء من الحصين، طوال فترة حياتها، ولكن الحصول على عينات عالية الجودة من أنسجة الدماغ من البشر البالغين يمثل تحدياً كبيراً.
تحديات التعامل مع الخلايا البشرية والتغلب عليها
لإثبات أن المخ يستطيع تجديد خلاياه أم لا يجب اختبار ذلك على خلايا بشرية. تُستخرج الأنسجة البشرية من عمليات التشريح أو بعض العمليات الجراحية، لذا فإن التعامل معها (كم من الوقت تبقى حية قبل تثبيتها في المواد الحافظة، والمواد الكيميائية المستخدَمة، ومدى رقة الشرائح) قد يُخفي الخلايا المتجددة الحديثة الولادة. وقد مكّن استخدام التقنيات الجديدة فريق البحث من التغلب على هذه التحديات، وحللوا أكثر من 400000 نواة خلايا فردية من خلايا الحصين من 24 شخصاً، بالإضافة إلى فحص 10 أدمغة أخرى باستخدام تقنيات أخرى.
أُخذت عينات الأدمغة من أشخاص تتراوح أعمارهم بين 0 و78 عاماً، من بينهم ستة أطفال وأربعة مراهقين، وباستخدام طريقتَين تصويريتَين متطورتَين حدَّد الفريق مواقع الخلايا الجديدة في الأنسجة، ورأوا مجموعات من الخلايا السَّلَفية المنقسِمة بجوار الخلايا العصبية المكتملة التكوين، وفي نفس المواقع التي أظهرت الدراسات على الحيوانات وجود الخلايا الجذعية البالغة فيها.
تفاوت إنتاج الخلايا العصبية في المراحل العمرية
لم ير العلماء هذه الخلايا السَّلَفية المنقسِمة لدى الرضع والأطفال الصغار فحسب، بل وجدوها أيضاً لدى المراهقين والبالغين، وتشمل هذه الخلايا الخلايا الجذعية القادرة على تجديد نفسها وتكوين خلايا دماغية أخرى، كما أن التقنيات الحديثة مكّنت الباحثين من اكتشاف خلايا الدماغ الجديدة في مراحل مختلفة من النمو، وإجراء أبحاث لم تكن ممكنة قبل بضع سنوات. استخدم الفريق علامات فلورية لتحديد الخلايا المتكاثرة، وهذا “نهج ذكي” لمواجهة تحديات دراسة تكوين خلايا الدماغ لدى المراهقين والبالغين.
وكما هو متوقع؛ أنتجَت أدمغة الأطفال خلايا دماغية جديدة أكثر من أدمغة المراهقين أو البالغين. في الوقت نفسه، أظهَرت تسعة من أصل 14 أدمغة بالغة حُللت بتقنية واحدة علامات على تكوين الخلايا العصبية، بينما أظهَرت 10 من أصل 10 أدمغة بالغة حُللت بتقنية ثانية أنتجَت خلايا جديدة. وفيما يتعلق بالأدمغة القليلة التي لا تحتوي على خلايا جديدة قال العلماء إنه من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات حول التفاوت بين أدمغة البالغين التي تحتوي على أدلة تشير إلى وجود خلايا جديدة، وتلك التي لا تحتوي على خلايا جديدة.
اقرأ أيضًا...
تفتح هذه الدراسة أبواب جديدة أمام العلم
حقيقة أن المخ يستطيع تجديد خلاياه ربما يمنح الباحثين القدرة على استكشاف ما إذا كان البالغون الذين أنتَجوا خلايا دماغية جديدة قد فَعلوا ذلك استجابة لمرض عصبي مثل ألزهايمر، أو ما إذا كان تكوين الخلايا العصبية لدى البالغين علامة على الصحة الدماغية الجيدة، وبمجرد اكتشاف هذه الخلايا والتعرف عليها وفهم تنظيمها ربما يمكن للعلماء البحث في كيفية تتبع الخلايا السلفية عبر الزمن، ومعرفة كيفية ارتباط وجودها بالمرض، فإذا أمكن الكشف عن الصلة بين تكوين الخلايا العصبية وحدوث المرض فربما يفتح ذلك باباً جديداً أمام علاجات جديدة.
وعلى الرغم من أن الإستراتيجيات العلاجية الدقيقة لدى البشر ما تزال قيد البحث النشيط، فإن حقيقة أن أدمغتنا البالغة قادرة على إنتاج خلايا عصبية جديدة تحوّل الطريقة التي نفكّر بها في التعلّم مدى الحياة والتعافي من الإصابة، والإمكانات غير المستغلَّة للمرونة العصبية.
المصدر:
livescience
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية