الصحة العامة

الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية بين تغيرات هرمونية وضغوط الأمومة

الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية بين تغيرات هرمونية وضغوط الأمومة

بالنسبة لبعض الأمهات، قد لا تكون الرضاعة الطبيعية تجربة هادئة مليئة بالارتباط العاطفي كما يُتوقع، بل قد ترافقها مشاعر مفاجئة من الحزن الشديد أو القلق أو حتى اليأس. هذه المشاعر لا تعني فشل الأم أو عدم حبها لطفلها، بل قد تكون نتيجة تداخل معقد بين تغيرات هرمونية وضغوط نفسية جسيمة ترافق فترة ما بعد الولادة. فهم السبب الحقيقي وراء هذه المشاعر هو الخطوة الأولى نحو التعامل معها وطلب الدعم المناسب. إذ إن الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية يعد أحد أهم التحديات النفسية التي قد تمر بها بعض الأمهات دون أن يتم التحدث عنها بشكل كافٍ.

الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية ومنعكس تدفق الحليب العُصابي (D-MER)

أحد الأسباب المحتملة لهذه المشاعر السلبية أثناء الرضاعة هو ما يُعرف بـ منعكس تدفق الحليب العُصابي (Dysphoric Milk Ejection Reflex – D-MER)، وهي حالة فسيولوجية نادرة تحدث فيها موجة مفاجئة وقصيرة من المشاعر السلبية مثل الحزن أو القلق أو النفور، وتظهر قبل لحظات من تدفق الحليب. ويُعد هذا الشكل من المشاعر أحد مظاهر الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية عند بعض الأمهات بشكل غير مباشر.

عادةً تستمر هذه المشاعر من 30 ثانية إلى دقيقتين فقط، ثم تختفي بسرعة بمجرد بدء تدفق الحليب. ويرتبط هذا المنعكس بتغيرات سريعة في هرمون الدوبامين، وهو ناقل عصبي مسؤول عن الشعور بالمكافأة والمتعة وتنظيم المزاج. عند تحفيز إفراز الحليب بواسطة هرمون الأوكسيتوسين، يحدث انخفاض مفاجئ وسريع في مستوى الدوبامين، مما قد يؤدي إلى شعور مفاجئ بالقلق أو الحزن أو التوتر.

ومن المهم التأكيد أن هذه الحالة ليست اضطرابًا نفسيًا، بل استجابة فسيولوجية مؤقتة لهرمونات الجسم، وتتميز بارتباطها فقط بلحظة بدء تدفق الحليب، ثم زوالها السريع بعدها، مما يميزها عن الاكتئاب المستمر.

عندما تتحول الرضاعة إلى عامل محفز للاكتئاب

إذا استمرت مشاعر الحزن أو القلق لفترات أطول من لحظة الرضاعة نفسها، فقد يكون السبب مرتبطًا باكتئاب ما بعد الولادة أو القلق النفسي بعد الولادة، حيث تصبح متطلبات الرضاعة عامل ضغط إضافي يزيد من حدة الحالة النفسية، وهو ما يدخل ضمن نطاق الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية بشكل مباشر.

يتميز اكتئاب ما بعد الولادة بمزاج منخفض مستمر، وفقدان الاهتمام، وقلق شديد، وشعور بالذنب أو انعدام القيمة، وتستمر هذه الأعراض لأسبوعين أو أكثر، ولا يقتصر وجودها على أوقات الرضاعة فحسب.

كما أن الضغوط المرتبطة بالرضاعة الطبيعية—مثل قلة النوم بسبب الاستيقاظ المتكرر ليلًا، أو الألم الناتج عن تشققات الحلمات، أو صعوبة الالتقام، أو التهابات الثدي—قد تزيد من احتمالية ظهور الاكتئاب أو تفاقمه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الضغط النفسي الناتج عن التوقعات المجتمعية بأن الرضاعة ينبغي أن تكون سهلة ومثالية قد يولد شعورًا بالفشل لدى بعض الأمهات عند مواجهة بعض الصعوبات، مما يعزز القلق والاكتئاب. كذلك قد تؤدي الرضاعة المستمرة إلى شعور بالعزلة وفقدان الاستقلالية، وهو ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية، وقد يتجلى ذلك على شكل الاكتئاب خلال الرضاعة الطبيعية.

خطوات عملية وأهمية الدعم الطبي

الخطوة الأولى للتعامل مع هذه المشاعر هي محاولة تحديد نمطها: هل هي قصيرة ومفاجئة وتحدث فقط أثناء تدفق الحليب، أم أنها مستمرة وتؤثر على المزاج بشكل عام؟ (ما يشير إلى اكتئاب أو قلق ما بعد الولادة).

في حال كونها مؤقتة وتحدث فقط أثناء تدفق الحليب، يمكن تجاوزها ببعض الإجراءات البسيطة كالعناية بالنفس، وشرب السوائل بشكل كافٍ، وتقليل الكافيين، وتشتيت الانتباه أثناء لحظة تدفق الحليب عبر مشاهدة شيء خفيف أو تناول وجبة صغيرة.

أما في حالات الاكتئاب أو القلق المستمر، فيصبح الدعم المهني أمرًا ضروريًا، حيث يبرز العلاج النفسي وبالأخص السلوكي المعرفي كحلٍّ فعال. وفي الوقت ذاته، من المهم الاستعانة باختصاصي رضاعة معتمد لمعالجة المشكلات الجسدية، كالألم أو سوء الالتقام.

وفي بعض الحالات، قد تُستخدم أدوية مضادة للاكتئاب من فئة SSRIs مثل السيرترالين أو الباروكستين، والتي تُعد عادة آمنة أثناء الرضاعة بكميات منخفضة تحت إشراف طبي. ومن المهم متابعة الحالة النفسية للأم، فالمخاطر الناتجة عن إهمال علاج الاكتئاب قد تفوق بكثير أي آثار محتملة لاستخدام الدواء المناسب عند الحاجة.

وفي حال كانت الرضاعة نفسها تؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية، فإن تقليلها أو إيقافها بشكل جزئي أو كامل هو قرار طبي مشروع ينبغي مناقشته مع الفريق الصحي دون شعور بالذنب. أما إن راودت الأم أفكارًا تتعلق بإيذاء النفس، فيجب طلب المساعدة الفورية من خدمات الطوارئ أو خطوط الدعم النفسي.

المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية

السابق
دهون البطن مع التقدم في العمر: دراسة تكشف السبب الحقيقي