في محادثاتنا الحالية حول الصحة العقلية، كلمة “الصدمة” موجودة في كل مكان. ويبدو أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، يشعرون بالتفاقم والضرر بسبب ذلك. أجد هذا مثيرا للقلق. ولهذا السبب أستمر في التوضيح أنه ليست كل تجربة مؤلمة هي أو تصبح جرحًا مؤلمًا. إن معرفة مدى عمق الجرح – وما يعنيه ذلك بالنسبة للرعاية – يمكن أن يجنب الناس الأوسمة والضيق غير الضروريين، ويساعد الأطباء على اختيار التدخلات المناسبة، ويحرر أولئك الذين يعانون من أن يتم تعريفهم فقط من خلال آلامهم. في كتابي الجديد ما مدى عمق الجرح؟, أقدم دليلاً واضحًا ورحيمًا حول كيفية قياس عمق الضرر العاطفي وما يعنيه هذا العمق للتعافي.
خدش أم كسر أم ندبة؟ صورة عملية
تخيل ثلاثة سيناريوهات: خدش صغير على الجلد، وعظم مكسور، وندبة ملتئمة. يلسع الخدش لفترة من الوقت ولكنه يختفي ويتلاشى بسرعة؛ يتطلب الكسر إعادة التنظيم، والتثبيت، ورعاية خاصة للشفاء بشكل صحيح؛ لكن الندبة ليست جرحًا ولكنها تذكير بحدوث شيء ما. وقد تسبب حكة من وقت لآخر، لكنها لا تسبب خللًا في معظم الحالات.
الألم العاطفي يعمل بالمثل. تترك بعض التجارب لدغة، والبعض الآخر يترك ندبة تذكرنا بآلام الماضي وما تعلمناه منها، وبعضها – عندما يكون الجهاز العصبي مرهقًا، أو يتم تحفيزه بشكل متكرر، أو يترك دون إصلاح – يتصرف مثل الكسور التي لم يتم علاجها: فهي تتطلب نوعًا مختلفًا من الاهتمام ومستوى أعلى من الرعاية. ليست كل المعاناة تتطلب نفس العلاج؛ إن قياس عمق الجرح هو أول عمل رحيم وضروري وحكيم.
من رد الفعل التكيفي إلى الجرح المستمر: طيف
تم تصميم نظامنا ليكون فعالا. تم تصميم الاستجابات العاطفية لمساعدتنا على التكيف وتعلم كيفية التنقل في العالم: فهي تنبهنا، وتحشد الموارد، وتقيم المخاطر، وتتوقع العواقب، وتساعدنا على البقاء. في معظم الأحيان، يعالج النظام الحدث ويتعلم ويعود إلى خط الأساس. ولكن عندما تفشل هذه الجهود – بسبب التعرض المتكرر، أو الافتقار إلى الإصلاح، أو السياقات العلائقية السامة، أو الكارثة، أو الضعف البيولوجي – فإن ما يبقى هو الجرح: نمط من الحساسية يغير المعتقدات والسلوك والتوقعات. قد نفقد المرونة والتسامح لأننا نخصص معنى للتجربة برمتها، على افتراض أنها ستحمينا بعدم الجرأة، وعدم السماح لأي شخص بالدخول، وعدم المخاطرة.
لكن السؤال الذي يطرحه الكثير من الناس هو، إذا كان من المفترض أن يساعدنا، فلماذا نصاب بالصدمة؟ تظهر الصدمة فقط عندما يعتبر الوضع الحالي أو الجروح التي لم يتم حلها غير قابلة للإدارة أو الحل، وتتولى إعدادات البقاء في الجهاز العصبي: نحن نعيش في خوف، وتختطف دوائر الإنذار الحياة اليومية، وتصبح الذاكرة متطفلة، وتشعر الهوية بالتحطيم، وتعاني العلاقات تحت ظلال عدم الثقة. باختصار، لم يعد الجرح مناسبة؛ إنها تصبح استراتيجية يستخدمها الكائن الحي للبقاء على قيد الحياة، مما يؤدي إلى الخلل الوظيفي والألم.
التعرف على أنواع الجروح
يهدف كتابي الجديد إلى مساعدة القراء على التمييز بين التجارب المؤلمة المتنوعة التي نسميها “الجروح” وتمييزها عن “الصدمات”. بدلًا من استخدام فئة واحدة، أقدم تصنيفًا عمليًا ومتأصلًا في الوظيفة، أي في ما يفعله الجرح بحياة الشخص.
اقرأ أيضًا...
على سبيل المثال، عندما تخدشنا حسرة القلب، أو الخيانة، أو التنقيط البطيء من النقد، فإن الضرر غالبًا ما يكون أقل في لحظة عنيفة واحدة منه في المساحة الهادئة بين ما أردناه وما تلقيناه بالفعل. هذه الجروح العلائقية لا تثير دائمًا إنذارات البقاء على قيد الحياة كما تفعل “الصدمة” الكلاسيكية؛ وبدلاً من ذلك، فإنها تعيد تشكيل نصوصنا العاطفية، وإحساسنا بالقيمة، والقصص التي يرويها غرورنا لإبقائنا “حسني المظهر”. إن تأطير الأذى بهذه الطريقة يساعدنا على رؤية أن انعدام الأمن هو بنية وقائية مبنية على الإهانات العلائقية المتكررة، حيث تعمل الأنا كمديرة للمنزل، وتقوم بتصحيح التسريبات حتى تتمكن الأسرة من الاستمرار في العمل. إن تعلم تسمية عادات الدماغ تلك، وممارسة “تنبيه الأنا” في جزء من الثانية، وتنمية الذات المراقبة غالبًا ما تكون الخطوات الأولى نحو إعادة برمجة تلك الدفاعات.
هناك جروح أخرى، ناجمة عن الإهمال والغياب، تنتج نوعاً مختلفاً من الإصابات: جروح بطيئة النزيف تجعل الشعور بالخدر أو تحول الاحتياجات العادية إلى عوز محموم. عندما يصل طفل (أو شخص بالغ) بشكل متكرر إلى الاتصال ويلتقي بالفراغ، يمكن للنفسية أن تتعلم الندرة كخط أساسي؛ وفي وقت لاحق، يتم تصفية كل علاقة جديدة من خلال الافتراض “أنا لا أحسب”، ويمكن أن تصبح الرغبة بسهولة طلبًا للطمأنينة بدلاً من كونها حاجة منطوقة. إن تسمية هذا التمييز – الجرح الذي يبلّد مقابل الجرح الذي يتشبث – مهم لأنه يشير إلى مسارات مختلفة للإصلاح: إعادة ضبط التوقعات، واستعادة المساحة العقلية، وممارسة التجارب العلائقية التي تعلم الجهاز العصبي أنه آمن للشعور والسؤال. يمكن أن تساعد التمارين العملية واللطيفة في توجيه هذا العمل، بما في ذلك الأدوات اللازمة لاستعادة القوة وإعادة بناء الانتماء، من خلال ممارسة صغيرة في كل مرة.
يمكن أن يوجد كل نوع من أنواع الجروح هذه على نطاق واسع من السطحي إلى العميق. السياق والموارد والتوقيت والمعنى المخصص للحدث كلها تشكل العمق.
الحل مقابل “العلاج”: أهداف واقعية وإنسانية
الشفاء لا يعني النسيان؛ يتعلق الأمر بنقل الذاكرة بحيث تقوم بالإعلام بدلاً من التحكم. ولهذا السبب فإن اتخاذ القرار – بدلاً من الوعد بـ “العلاج” – هو الطريق لبدء الرحلة. الحل يعني العثور على المخاوف أو المشاعر التي لم تتم معالجتها، مما يقلل من سيطرة الجرح على الحياة اليومية، ويستعيد القوة. يتضمن الحل المعالجة والوعي والمعنى، وليس المحو. ويصبح الحدث المؤلم جزءا من قصة الحياة دون احتكار الهوية أو السلوك. ويأتي الشفاء بعد ذلك، بمجرد توقف الأعراض عن التكاثر، تمامًا مثل العناية بجرح لوقف النزيف.
المصدر :- Psychology Today: The Latest