منذ فجر التاريخ، كانت الرضاعة الطبيعية هي الوسيلة الوحيدة لتغذية الرضع. الأم ترضع طفلها كما ترضع الكائنات صغارها، فهي الفطرة التي فطر الله عليها البشر. لكن مع القرن العشرين وظهور اللبن الصناعي، بدأ الجدل: هل يمكن أن يحل بديلاً عن لبن الأم؟ وهل هناك مخاطر إذا اعتمدنا عليه كليًا؟
في لمحة تاريخية سريعة يمكن القول أنه قبل اختراع اللبن الصناعي في القرن التاسع عشر، كان البديل الوحيد عن الأم هو المرضعات (نساء يرضعنَ أطفالًا غير أبنائهنّ)، ومع تقدم الطب الكيميائي، ظهَر اللبن الصناعي كمعجزة في نظر البعض، خصوصًا في أوروبا وأمريكا. تم اختراع وإنتاج اللبن الصناعي (تركيبة حليب الأطفال) تجاريًا لأول مرة في منتصف ستينات القرن التاسع عشر، حين طوّر الصيدلي الألماني هنري نستلي الحليب المجفف (فارينا لاكتوس) في سويسرا، وشهد إنتاجه نموًا وتطورًا كبيرين مع اختراع الحليب المبستَر (1882).
بشكل عام؛ بدأ عصر الحليب الصناعي كضرورة لحفظ الحليب، ثم تطور ليصبح غذاءً بديلًا، لكنه سرعان ما ارتبط بمشاكل صحية وانتقادات حادة بسبب حملات التسويق المضللة، خصوصًا في دول العالم النامي.
لماذا تبقى الرضاعة الطبيعية الخيار الأفضل؟
ولكن يا أعزائي القراء، لماذا نوصي دائما بالرضاعة الطبيعية؟!. هذا الأمر ليس اعتباطًا وإنما لأن الرضاعة الطبيعية ليست مجرد وسيلة لتغذية الطفل، بل هي منظومة متكاملة من الفوائد الصحية والنفسية للأم والرضيع معًا، وما لها من فوائد مثبتة علميًا.
فقد أثبت العلم بما لا يدع مجالًا للشك أن لبن الأم هو الغذاء الأمثل للرضيع لما يحتويه على مزيج فريد من البروتينات، والدهون، والفيتامينات والأجسام المضادة التي لا يمكن تصنيعها؛ فلبن الأم فيه أجسام مضادة (Immunoglobulins) وخلايا مناعية تحمي الطفل من الالتهابات خاصة في أول 6 أشهر من عمره. كما أنه يقلل من مخاطر التهابات الجهاز التنفسي، والتهابات الأذن، والإسهال، والحساسية والربو. كما أنه يحمي على المدى الطويل من السمنة والسكري. وأيضا الأم لها من فوائد الرضاعة الطبيعية نصيب، فهي تقلل الإصابة بسرطان الثدي والمبايض، وتساعد على عودة الرحم إلى وضعه الطبيعي بعد الولادة. ولعل أهم ما يميز الرضاعة الطبيعية وما تستشعره وترصده العديد من الأمهات فيها؛ أنها تقوي الرابط العاطفي والنفسي بين الأم والطفل.
توصيات منظمة الصحة العالمية حول الرضاعة الطبيعية
منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسيف (UNICEF) توصي بالرضاعة الطبيعية الحصرية خلال أول 6 شهور من حياة الطفل، ثم الاستمرار في الرضاعة مع إدخال الأطعمة الصلبة حتى عمر السنتين.
متى يكون اللبن الصناعي ضرورة؟
بعد ذكر كل هذه الفوائد القيّمة، يتبادر إلى الذهن سؤال منطقي، هل نحتاج اللبن الصناعي أصلًا؟ دعني أخبرك أنه على الرغم من كل هذه المميزات، هناك حالات يصبح فيها اللبن الصناعي ضرورة، منها: إذا كانت الأم تعاني من أمراض معينة، أو تتناول أدوية قد تؤثر على الرضيع.
وأيضا إذا كان لديها مشاكل في إدرار الحليب ولم تفلح محاولات العلاج والدعم. أو وجود ظروف اجتماعية/اقتصادية تجعل الرضاعة الطبيعية صعبة أو مستحيلة، كحالات التوائم المتعددة، أو لضرورة غياب الأم فترات طويلة.
اقرأ أيضًا...
هنا يأتي اللبن الصناعي كحل إنقاذ، لكنه بديل أقل مثالية من الرضاعة الطبيعية. وفي النهاية لا يمكن القول إن الحليب الصناعي ضار بحد ذاته، لكنه لا يحتوي على بعض المكونات المناعية والهرمونية الفريدة الموجودة في لبن الأم. كما أن الاعتماد الكامل عليه قد يزيد من مخاطر حدوث الحساسية والسمنة مستقبلًا إذا لم يُستخدم بشكل منظم.
الرضاعة الطبيعية بالأرقام
وأخيرا؛ ماذا تقول الأرقام؟
• وفقًا لتقرير منظمة اليونيسيف لعام 2021: فإن 44% فقط من الأطفال في العالم يتلقون رضاعة طبيعية حصرية خلال أول 6 شهور. وتُظهر الدراسات أن الدول التي تدعم الرضاعة الطبيعية بقوانين وإجازات أمومة أطول، ترتفع فيها هذه النسبة بشكل ملحوظ.
• على الجانب الآخر، ارتفعت مبيعات اللبن الصناعي عالميًا إلى أكثر من 55 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يكشف حجم الضغط التسويقي لهذه المادة.
ويرى موقع صحتك Sehatok أن الرضاعة الطبيعية هي الخيار الأول
والأفضل دائمًا، لأنها تَمنح الطفل ما لا يمكن لأي حليب صناعي أن يقدمه. واللبن الصناعي خيار داعم عند الحاجة فقط، بشرط أن يتم تحت إشراف فريق طبي لضمان اختيار النوع المناسب وتجنب المضاعفات مثل الحساسية أو سوء الهضم. فلنترك اللبن الصناعي كحل عند الضرورة، ولنعتبره مكملًا وليس بديلًا عن حليب الأم.
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية