في عالمنا المتسارع، أصبحت الأطعمة فائقة المعالجة الخيار الأول للملايين، فالوجبات المجمَّدة، والمشروبات الغازية، والوجبات الخفيفة المعلَّبة، والمخبوزات الجاهزة تبدو حلولًا مثالية لضيق الوقت. لكن خلف النكهات الجذابة والتغليف الأنيق، تكشف الدراسات الحديثة حقيقةً مقلقة مفادها أن هذه المنتجات لا تكتفي بزيادة الوزن أو رفع حدوث الأمراض المزمنة، بل قد تؤثر أيضًا في قدرة الدماغ على التركيز والانتباه.
كشَفت دراسة أسترالية حديثة نُشرت في مجلة Alzheimer’s & Dementia أن استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بتراجع وظائف الانتباه وزيادة عوامل الخطر المرتبطة بالخرف. فما المقصود بهذه الأطعمة؟ وكيف تؤثر في الدماغ؟ وما الذي يمكن فعله لحماية الصحة الذهنية؟
الأطعمة فائقة المعالجة
لفهم العلاقة بين الغذاء والتركيز، من المهم التمييز بين أنواع الأغذية المختلفة:
-
الأطعمة غير المعالَجة: مثل الفواكه والخضروات والبيض واللحوم الطازجة.
-
الأطعمة المعالَجة: وهي أطعمة أضيف إليها الملح أو السكر أو الزيت بهدف الحفظ، مثل بعض أنواع الجبن أو الخضروات المعلبة.
-
الأطعمة فائقة المعالجة : وهي منتجات صناعية تحتوي على مكوَنات مستخلَصة من الأغذية ومواد مضافة مثل المنكِّهات والملونات والمستحلَبات والمُحليات الصناعية، وغالبًا ما تحتوي على نسبة قليلة من المكوَنات الطبيعية الكاملة.
دراسة أسترالية تربط الغذاء بالانتباه
شملت هذه الدراسة أكثر من 2000 شخص تراوحت أعمارهم بين 40 و70 عامًا، وركزت على مقارنة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة بنتائج الاختبارات المعرفية.
-
تأثير زيادة الاستهلاك بنسبة 10%
أظهَرت النتائج أن كل زيادة بنسبة 10% في استهلاك هذه الأطعمة ارتبطت بانخفاض ملحوظ في درجات الانتباه. ويشير الباحثون إلى أن هذه الزيادة تعادل إضافة كيس واحد من رقائق البطاطس إلى النظام الغذائي اليومي.
-
الانتباه يتأثر قبل الذاكرة
ومن النتائج اللافتة أن التأثير الأكبر ظهَر على الانتباه والتركيز أكثر من الذاكرة. ويُعد ذلك مهمًا لأن الانتباه يمثل الأساس الذي تَعتمد عليه عمليات التعلم وحل المشكلات واتخاذ القرار، ما يعني أن تراجع التركيز قد ينعكس على الأداء المهني والاجتماعي قبل ظهور مشكلات الذاكرة.
لماذا تؤثر الأطعمة فائقة المعالجة في التركيز؟
لا يرتبط الأمر بالسعرات الحرارية فقط، بل بمجموعة من التغيرات البيولوجية التي تؤثر في الدماغ والجسم هي:
1. التهاب الدماغ
تحتوي الأطعمة فائقة المعالجة على كميات مرتفعة من السكريات المكررة والدهون غير الصحية والزيوت المكررة، ما قد يعزز العمليات الالتهابية في الجسم. وعندما يصل الالتهاب إلى الدماغ، قد يؤثر في التواصل بين الخلايا العصبية ويؤدي إلى ما يعرف باسم “ضبابية الدماغ”، وهو شعور بالتشتت وضعف التركيز.
2. اضطراب محور الأمعاء – الدماغ
تؤثر بعض المواد الحافظة والمستحلَبات في توازن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء. وتُعد الأمعاء جزءًا مهمًا من شبكة التواصل العصبي في الجسم، إذ تساهم في إنتاج العديد من النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج والتركيز، مثل السيروتونين والدوبامين.
3. تقلبات سكر الدم
تسبب المشروبات المحلاة والأطعمة الغنية بالسكر ارتفاعًا سريعًا في مستوى الغلوكوز، يتبعه انخفاض حاد نتيجة إفراز الأنسولين، وهذه التقلبات قد تؤدي إلى الشعور بالإرهاق الذهني وضعف القدرة على التركيز.
هل يكفي تناول الطعام الصحي لمعادلة الضرر؟
أحد أهم نتائج الدراسة تمثلت باستمرار التأثير السلبي لتناول الأطعمة فائقة المعالجة حتى لدى الأشخاص الذين اتبعوا أنظمة غذائية صحية نسبيًا، مثل حمية البحر المتوسط. ويشير ذلك إلى أن إضافة الخضروات والفواكه إلى النظام الغذائي لا تكفي وحدها مع استمرار تناول كميات كبيرة من الأغذية المصنعة، وأن تقليل هذه المنتجات يبقى خطوة أساسية للحفاظ على صحة الدماغ.
علاقة محتملة بالخرف
ربطت الدراسة بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة عوامل الخطر المرتبطة بالخرف، ومنها:
-
ارتفاع ضغط الدم.
اقرأ أيضًا...
-
ارتفاع مستويات الكوليسترول.
-
زيادة الوزن والسمنة.
تُعد هذه العوامل من أبرز المؤثرات على صحة الأوعية الدموية التي تغذي الدماغ، ما قد ينعكس سلبًا على الوظائف المعرفية مع التقدم في العمر.
أكثر الأطعمة ضررًا على التركيز وصحة الدماغ
تشير الدراسات إلى أن بعض المنتجات تحتل صدارة قائمة الأغذية المرتبطة بتدهور الصحة الدماغية، ومنها:
-
المشروبات الغازية والمشروبات المحلاة ومشروبات الطاقة.
-
رقائق البطاطس والمقرمشات والوجبات الخفيفة المملحة.
-
حبوب الفطور الغنية بالسكر.
-
اللحوم المصنعة مثل السجق واللانشون والبرجر الجاهز.
-
الوجبات المجمدة الجاهزة للتسخين.
-
الحلويات المصنعة ومنتجات الألبان المنكهة.
كيف تحافظ على تركيزك؟
- اقرأ قائمة المكوَنات: كلما زاد عدد المكونات أو احتوت العبوة على أسماء كيميائية معقدة، ارتفع احتمال أن يكون المنتَج ضمن فئة الأطعمة فائقة المعالجة .
- اختر الأطعمة الكاملة: يفضل الاعتماد على الفواكه والخضروات والبقوليات والأسماك والمكسرات، خاصة الأغذية الغنية بأحماض أوميغا-3 الدهنية التي تدعم وظائف الدماغ.
- لا تنخدع بالشعارات التسويقية: بعض ألواح البروتين، وأنواع الزبادي المنكّه، ومنتجات “قليلة الدسم” قد تبدو صحية، لكنها قد تحتوي على كميات كبيرة من السكريات أو الإضافات الصناعية.
- التغيير التدريجي أفضل: لا يشترط تغيير النظام الغذائي بالكامل دفعة واحدة. فحتى تقليل استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة بنسبة بسيطة قد يكون خطوة إيجابية نحو تحسين التركيز والصحة العامة.
يرى أطباء موقع صحتك Sehatok أن…
نوعية الطعام الذي نتناوله لا تؤثر فقط في الوزن أو صحة القلب، بل تمتد آثارها إلى الدماغ والقدرات الذهنية. لأن الأطعمة فائقة المعالجة قد ترتبط بتراجع الانتباه وضعف التركيز وزيادة عوامل الخطر المرتبطة بالخرف، ما يجعل تقليل استهلاكها خيارًا مهمًا للحفاظ على صحة الدماغ على المدى الطويل.
وفي النهاية، فإن التركيز ليس مجرد مهارة عقلية، بل هو انعكاس لصحة الجسم بأكمله. وكل وجبة نتناولها قد تكون إما دعمًا لقدراتنا الذهنية أو عبئًا إضافيًا على الدماغ مع مرور الوقت.
المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية