الصحة العامة

اضطراب النوم بعد الزلازل لدى الناجين من زلزال فنزويلا

اضطراب النوم بعد الزلازل لدى الناجين من زلزال فنزويلا

بعد زلزال فنزويلا لماذا قد يستمر اضطراب النوم لسنوات لدى الناجين؟

في أعقاب الكوارث الطبيعية، ينصبّ الاهتمام غالبًا على أعداد الضحايا والمصابين وعمليات الإنقاذ، لكن هناك أزمة صحية صامتة تستمر لفترة أطول بكثير، وهي اضطراب النوم بعد الزلازل ، فبينما تتوقف الهزات الأرضية خلال دقائق، قد تستمر آثارها النفسية والجسدية لأشهر أو حتى سنوات، ما يجعل النوم أحد أهم المؤشرات التي تكشف حجم الصدمة التي يعيشها الناجون وفقًا لخبراء الصحة النفسية. وتشير دراسات حديثة إلى أن الاهتمام بجودة النوم قد يكون خطوة أساسية للحد من المضاعفات الصحية طويلة الأمد بعد الكوارث.

زلزال فنزويلا يكشف أزمة صحية تتجاوز الدمار

شهد شمال فنزويلا في 24 يونيو/حزيران الماضي زلزالين قويين بلغت شدتهما 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر، يفصل بينهما 39 ثانية فقط، ما سبب حدوث كارثة إنسانية واسعة.

وفق التقارير، تجاوز عدد الوفيات 4500 شخص، بينما لا يزال عشرات الآلاف في عداد المفقودين. كما تعرّض نحو 8.6 ملايين شخص لهزات أرضية متوسطة إلى شديدة، من بينهم حوالي 2.1 مليون شخص كانوا في المناطق الأكثر تضررًا.

تعني هذه الأرقام أن ما يقارب ثلث سكان فنزويلا قد تعرّضوا بشكل مباشر لتجربة قد تترك آثارًا نفسية طويلة المدى، إذ اضطر آلاف الناجين إلى النوم في الحدائق والساحات العامة وعلى جوانب الطرق بعد فقدان منازلهم، وهو ما يزيد من تفاقم اضطراب النوم بعد الزلازل ويؤثر في الصحة العامة.

لماذا يُعد النوم مؤشرًا مهمًا بعد الكوارث؟

يرى الباحثون أن النوم ليس مجرد فترة للراحة، بل عملية حيوية تساعد الدماغ والجسم على التعافي من الضغوط والصدمات. لذلك فإن اضطرابه بعد الكوارث قد يكون علامة مبكرة على وجود مشكلات نفسية أعمق. وتوضح الأبحاث أن الحرمان من النوم أو سوء جودته قد يزيد الإصابة بما يلي:

  • اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD).
  • الاكتئاب (Depression).
  • القلق (Anxiety).
  • ضعف التركيز والذاكرة.
  • ارتفاع الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مع استمرار اضطرابات النوم لفترات طويلة.

ويؤكد الخبراء على أن اضطراب النوم بعد الزلازل قد يكون أكثر شيوعًا من كثير من الاضطرابات النفسية الأخرى، لذلك يجب عدم اعتباره عرضًا عابرًا.

دراسة من هايتي: اضطراب النوم بعد الزلازل

استندَت الباحثة جوديت بلانك، المختصة في أبحاث الضغوط النفسية والصحة المرتبطة بالنوم، إلى تجربتها الشخصية بعد زلزال هايتي المدمر عام 2010، الذي أودى بحياة أكثر من 220 ألف شخص، وأصاب نحو 300 ألف آخرين، إضافة إلى تدمير مئات المدارس وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والاقتصاد.

وبعد عامَين من الزلزال، أجرى فريقها البحثي دراسة أظهَرت نتائج لافتة، إذ أفاد 94% من الناجين بمعاناتهم من أعراض الأرق (Insomnia)، بينما ظهَرت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لدى 42% منهم، وسُجلت أعراض الاكتئاب لدى 22%.

تُظهر هذه النسب أن مشكلات النوم ليست مجرد نتيجة جانبية للكارثة، بل قد تكون من أبرز المؤشرات على استمرار التأثير النفسي، وهو ما يعزز أهمية التعامل مع اضطراب النوم بعد الزلازل باعتباره قضية صحية تستحق التدخل المبكر.

كيف تؤثر بيئة ما بعد الكارثة في جودة النوم؟

لا يقتصر سبب اضطرابات النوم على الصدمة النفسية وحدها، بل تلعب الظروف المعيشية دورًا كبيرًا في تفاقم المشكلة. فبعد الكوارث، يواجه الناجون عادة ظروفًا صعبة تشمل:

  • الضوضاء المستمرة.
  • الازدحام داخل مراكز الإيواء.
  • التعرض للحرارة أو البرودة.
  • فقدان الشعور بالأمان.
  • القلق بشأن أفراد الأسرة والمستقبل.
  • تلوث الهواء وصعوبة الحصول على مكان مناسب للنوم.

كل هذه العوامل تجعل اضطراب النوم بعد الزلازل أكثر شيوعًا، وقد تؤخر تعافي المتضررين نفسيًا وجسديًا.

كيف يمكن للقطاع الصحي الحد من اضطرابات النوم بعد الكوارث؟

تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن التعامل مع اضطراب النوم بعد الزلازل لا يقل أهمية عن علاج الإصابات الجسدية أو تقديم الدعم النفسي، لأن النوم يُعد أحد أكثر المؤشرات الصحية سهولة في القياس والمتابعة، كما أنه قابل للتحسن من خلال تدخلات بسيطة نسبيًا.

ولهذا يدعو خبراء طب الكوارث والصحة النفسية إلى إدراج تقييم جودة النوم ضمن الفحوصات الأساسية التي تُجرى للناجين بعد الزلازل والفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية. ومن أبرز التوصيات التي يقترحها الباحثون:

  • إضافة أسئلة قصيرة عن جودة النوم وأعراض الأرق (Insomnia) ضمن التقييم الطبي الأولي للناجين.
  • تدريب العاملين في الإغاثة والرعاية الصحية على التعرف المبكر إلى مشكلات النوم، إلى جانب التعرف إلى أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD) والاكتئاب (Depression).
  • توفير مستلزمات تساعد على النوم داخل مراكز الإيواء، مثل الأغطية المناسبة، ووسائل الحد من الضوضاء والإضاءة، بما يحسن بيئة النوم.
  • إنشاء مسارات واضحة لتحويل الأشخاص الذين تستمر لديهم اضطرابات النوم إلى عيادات متخصصة في علاج اضطرابات النوم أو الصحة النفسية.

ويؤكد الخبراء أن مثل هذه الإجراءات لا تتطلب إنشاء بنية تحتية جديدة، لكنها تتطلب الاعتراف بأن اضطراب النوم بعد الزلازل يمثل مؤشرًا صحيًا مهمًا يستحق المتابعة والعلاج.

ماذا تقول الدراسات العالمية؟

تدعم منظمات صحية دولية مثل منظمة الصحة العالمية (World Health Organization – WHO) أهمية تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي في المراحل الأولى بعد الكوارث، لأن التدخل المبكر يساعد في تقليل المضاعفات طويلة الأمد.

كما تشير مراكز الوقاية من الأمراض والسيطرة عليها (Centers for Disease Control and Prevention – CDC) إلى أن استمرار اضطرابات النوم والكوابيس والقلق لأسابيع بعد الكوارث قد يكون علامة تستدعي التقييم الطبي، خاصة إذا أثّرت في القدرة على العمل أو الدراسة أو ممارسة الأنشطة اليومية.

وتوضح الأبحاث أن تحسين النوم قد ينعكس إيجابًا على الذاكرة، والمناعة، والقدرة على اتخاذ القرار، وتنظيم المشاعر، وهو ما يجعل علاج اضطراب النوم بعد الزلازل جزءًا مهمًا من رحلة التعافي.

نصيحة من موقع صحتك Sehatok

إذا تعرّضت أنت أو أحد أفراد أسرتك لزلزال أو أي كارثة طبيعية، فلا تتجاهل تغيرات النوم حتى لو بدت بسيطة. فإذا استمر الأرق، أو تكررت الكوابيس، أو أصبح النوم متقطعًا لعدة أسابيع، فمن الأفضل استشارة مختص في الصحة النفسية أو طب النوم، لأن التدخل المبكر قد يقلل من تطور اضطرابات نفسية مزمنة ويساعد على استعادة التوازن الجسدي والنفسي بصورة أسرع.

 

قد تتوقف الأرض عن الاهتزاز خلال دقائق، لكن آثارها قد تبقى راسخة في أذهان الناجين لفترات طويلة. وتكشف التجارب والدراسات أن النوم ليس مجرد حاجة يومية، بل نافذة مهمة لفهم مدى تعافي الإنسان بعد الصدمات. لذلك، يبقى السؤال: هل تحظى جودة النوم بالاهتمام الذي تستحقه في خطط الاستجابة للكوارث، أم أنها لا تزال أحد الجوانب الصحية التي تُهمل رغم تأثيرها الكبير في التعافي؟

المصدر :- صحتك | الصفحة الرئيسية

السابق
دواء الإمساك الشائع قد يساعد في إزالة ضباب الدماغ الناتج عن الاكتئاب
التالي
خمس علاجات متكاملة للحفاظ على صحة البشرة في الصيف